وهبة الزحيلي

37

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المناسبة : بعد بيان العظة والعبرة في قصتي إبراهيم ولوط عليهما السلام ، من أجل الإيمان بقدرة اللّه ، عطف تعالى على ذلك قصص أقوام آخرين ، عذبوا على تكذيب الرسل بعذاب الاستئصال ، وهم فرعون موسى وأتباعه ، وعاد وثمود ، وقوم نوح ، وقد تبين في تعذيبهم نهاية الطغاة والمكذبين والكفار الظالمين ، ليثوب الناس إلى رشدهم ، ويؤمنوا باللّه وبالبعث ، ويكفّوا عن تكذيب الرسول صلى اللّه عليه وسلم والكفر برسالته . التفسير والبيان : وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ، فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ : ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أي وتركنا في قصة موسى عليه السلام آية وعبرة ، حين أرسلناه إلى الطاغية فرعون الجبار بشيرا ونذيرا بحجة ظاهرة واضحة هي المعجزات كالعصا واليد وما معها من الآيات . فأعرض استكبارا وعنادا ونأى عن آياتنا بجانبه ، واعتز بجنده وجموعه وقوته ، وقال محقرا شأن موسى : هو إما ساحر أو مجنون ، إذ لم يستطع تفسير ما رآه من الخوارق ، إلا بنسبته إلى السحر أو الجنون ، كما في آية أخرى : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ [ الشعراء 26 / 34 ] وآية : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء 26 / 27 ] . فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ ، فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ ، وَهُوَ مُلِيمٌ أي فأخذناه مع جنوده أخذ عزيز مقتدر ، فألقيناهم في البحر ، وفرعون آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان وادعاء الربوبية والعناد والفجور . وهذا دليل آخر على عظمة القدرة الإلهية على إذلال الجبابرة ، جزاء عتوهم واستكبارهم في الأرض بغير الحق .